لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج مارد الجوع من قمقمه في بيتي متمردا على الوجبات البيتية ومعلنا بدأ المداولات بشأن تناول الطعام في الخارج!
ومعه تتبلور بين أفراد العائلة الأربعة أكثر من عشرة أراء بشأن المكان المناسب لوضع الخطة موضعها اللائق من المعدة!
يبدأ برلمان العائلة جلساته المفتوحة ويطرح كل منهم وجهة نظره مستشهدا بمعرفة بأنواع المطاعم أو برغبة في التجديد وإثراء التجربة المعوية!
وندخل بذلك جدلا يحتاج إلى وساطة على غرار تلك التي قام بها عمرو موسى في بيروت لتدوير الزوايا وتجسير المواقف.
وتبدأ أسماء المدن والدول والثقافات في التزاحم في بورصة الطعام حسب المطاعم التي تسمي نفسها بأشهر المدن المتنافسة على الظفر بجوعنا.. اسطنبول.. بيروت...الصيني... الهندي... اليمني...دمشق.. ويغدو حديث الطعام كأنه واجهة لدرس في الجغرافيا!
ثم يمتد النقاش بامتداد الزحام في مدينة الدوحة هذه الأيام التي أضحت بفضله تسمح بالكثير من الجدل على الطريق بين العقل والمعدة!
ومع اشتداد حدة النقاش أتفهم على نحو ما لماذا يصر نبيه بري على إغلاق مقر البرلمان اللبناني أمام جلسات النقاش ولماذا يعود بي الحنين أحيانا إلى أيام صدام حسين!
ورغم أن المنطق والشرعية تعطيني الحق في الترجيح باعتباري الأكبر والسائق والوالد ومصدر التمويل إلا أن رأيي في الغالب لا يعدو كونه واحدا من الأراء المطروحة القابلة للنقاش!
تحليلي الاجتماعي لظاهرة تأكل هذا الدور دفعني إلى اكتشاف ما يمكن أن أصفه اليوم بظاهرة تراجع دور الشرعية التاريخية!
يحدث هذا تحت وطأة ثقافة المساواة وموجة من عولمة الأفكار و المفاهيم و ظاهرة نهاية التاريخ!
فعلى المستوى الدولي فإن الولايات المتحدة التي تتصدر لدور الزعامة في العالم والترويج لثقافتها لايعجبها الحديث عن الخبرة التاريخية بحكم ضحالة تلك التجربة لديها تماما كما لايروق للبغي الحديث عن الشرف ويضطرب اللص مع كل ذكر للأمانة!
مشكلتي أنني لا أجد في شواهد الصحافة ما يسعفني على تعزيز مركزية خبرتي التاريخية فموقع مثل ياهو أكمل لتوه سنوات عشر فقط يرفض عرضا لبيعه لشركة مايكروسوفت بكل عراقتها بمليارات الدولارات.
وطفل نيوزلندي أصبح في عامه الثالث خبيرا في انظمة الويندوز ويستعد اليوم في عامه السابع لبرمجه أنظمة جديدة!
عزائي أنني لست وحدي من يعاني مع ظاهرة تآكل الخبرة التاريخية فقد قرأت أن دراسة أجريت في عدد من دول العالم أثبتت أن متوسطي العمر من جيل الأربعين بدأوا يشعرون بالقلق على مستقبلهم في ظل انتشار ظاهرة محدثي الثراء الإلكتروني وتلبد المستقبل الاقتصادي بكثير من الضبابية!
بل إن عامل السن الذي كان الكثيرون يعولون عليه باعتباره ميزانا للخبرة والحكمة أصبح عبئا عليهم تحت وطأة ظاهرة الأثرياء الجدد وقوائم المليارات التي تطلع علينا كل يوم لتلغي أي حساب للآلاف والملايين التي كانت يوما ركيزة لأحلامنا !
تماما كما يشعر مصلحو الساعات والهواتف الأرضية والنظارات بالقلق على خبراتهم بعد تزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة في التوقيت والموبايل وعمليات تصحيح البصر بالليرز!
وكما في عالم الأفراد فإن عالم الشركات أيضا يستيقظ كل يوم على سوق لا مكان فيها لمن يقف عند حاجز السبق والخبرة التاريخية فقط فشركة بولارويدز الأمريكية توقفت الأسبوع الماضي عن إنتاج أفلام وكاميرات التصوير الفوري التي كانت يوما ما معجزة في عالم التصوير ووكالات الأنباء تحمل كل يوم قصصا عن شركات توقفت عن انتاج أشرطة الكاسيت والتلفزيونات الضخمة لصالح تقنيات جديدة !
الوحيدون الذين لا يزالون يتمسكون بالشرعية التاريخية ربما نوعان من البشر : أنظمة عربية تعتبر التاريخ جزءا لا يتجزأ من رصيدها للبقاء في السلطة و ثلة من المتعاجزين في مؤسساتنا التقليدية يرفعون أصواتهم بترديد سنوات خبرتهم كلما أثيرت مسألة الكفاءة!
يبدو أمر المجموعة الثانية سهلا كونها حالات فردية لا تملك سوى أن ترثي لحالها أما الأنظمة فلا تريد من يذكرها أن الشرعية التاريخية ليست بعدد السنوات وإنما هي شرعية الإنجاز، و هي في حديثها عن شرعيتها التاريخية تحاول صرف شيكات بدون رصيد ولا مكان لها سوى في المتاحف مع أنها لا تتحف أحدا!
http://shaltoni.maktoobblog.com/
ومعه تتبلور بين أفراد العائلة الأربعة أكثر من عشرة أراء بشأن المكان المناسب لوضع الخطة موضعها اللائق من المعدة!
يبدأ برلمان العائلة جلساته المفتوحة ويطرح كل منهم وجهة نظره مستشهدا بمعرفة بأنواع المطاعم أو برغبة في التجديد وإثراء التجربة المعوية!
وندخل بذلك جدلا يحتاج إلى وساطة على غرار تلك التي قام بها عمرو موسى في بيروت لتدوير الزوايا وتجسير المواقف.
وتبدأ أسماء المدن والدول والثقافات في التزاحم في بورصة الطعام حسب المطاعم التي تسمي نفسها بأشهر المدن المتنافسة على الظفر بجوعنا.. اسطنبول.. بيروت...الصيني... الهندي... اليمني...دمشق.. ويغدو حديث الطعام كأنه واجهة لدرس في الجغرافيا!
ثم يمتد النقاش بامتداد الزحام في مدينة الدوحة هذه الأيام التي أضحت بفضله تسمح بالكثير من الجدل على الطريق بين العقل والمعدة!
ومع اشتداد حدة النقاش أتفهم على نحو ما لماذا يصر نبيه بري على إغلاق مقر البرلمان اللبناني أمام جلسات النقاش ولماذا يعود بي الحنين أحيانا إلى أيام صدام حسين!
ورغم أن المنطق والشرعية تعطيني الحق في الترجيح باعتباري الأكبر والسائق والوالد ومصدر التمويل إلا أن رأيي في الغالب لا يعدو كونه واحدا من الأراء المطروحة القابلة للنقاش!
تحليلي الاجتماعي لظاهرة تأكل هذا الدور دفعني إلى اكتشاف ما يمكن أن أصفه اليوم بظاهرة تراجع دور الشرعية التاريخية!
يحدث هذا تحت وطأة ثقافة المساواة وموجة من عولمة الأفكار و المفاهيم و ظاهرة نهاية التاريخ!
فعلى المستوى الدولي فإن الولايات المتحدة التي تتصدر لدور الزعامة في العالم والترويج لثقافتها لايعجبها الحديث عن الخبرة التاريخية بحكم ضحالة تلك التجربة لديها تماما كما لايروق للبغي الحديث عن الشرف ويضطرب اللص مع كل ذكر للأمانة!
مشكلتي أنني لا أجد في شواهد الصحافة ما يسعفني على تعزيز مركزية خبرتي التاريخية فموقع مثل ياهو أكمل لتوه سنوات عشر فقط يرفض عرضا لبيعه لشركة مايكروسوفت بكل عراقتها بمليارات الدولارات.
وطفل نيوزلندي أصبح في عامه الثالث خبيرا في انظمة الويندوز ويستعد اليوم في عامه السابع لبرمجه أنظمة جديدة!
عزائي أنني لست وحدي من يعاني مع ظاهرة تآكل الخبرة التاريخية فقد قرأت أن دراسة أجريت في عدد من دول العالم أثبتت أن متوسطي العمر من جيل الأربعين بدأوا يشعرون بالقلق على مستقبلهم في ظل انتشار ظاهرة محدثي الثراء الإلكتروني وتلبد المستقبل الاقتصادي بكثير من الضبابية!
بل إن عامل السن الذي كان الكثيرون يعولون عليه باعتباره ميزانا للخبرة والحكمة أصبح عبئا عليهم تحت وطأة ظاهرة الأثرياء الجدد وقوائم المليارات التي تطلع علينا كل يوم لتلغي أي حساب للآلاف والملايين التي كانت يوما ركيزة لأحلامنا !
تماما كما يشعر مصلحو الساعات والهواتف الأرضية والنظارات بالقلق على خبراتهم بعد تزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة في التوقيت والموبايل وعمليات تصحيح البصر بالليرز!
وكما في عالم الأفراد فإن عالم الشركات أيضا يستيقظ كل يوم على سوق لا مكان فيها لمن يقف عند حاجز السبق والخبرة التاريخية فقط فشركة بولارويدز الأمريكية توقفت الأسبوع الماضي عن إنتاج أفلام وكاميرات التصوير الفوري التي كانت يوما ما معجزة في عالم التصوير ووكالات الأنباء تحمل كل يوم قصصا عن شركات توقفت عن انتاج أشرطة الكاسيت والتلفزيونات الضخمة لصالح تقنيات جديدة !
الوحيدون الذين لا يزالون يتمسكون بالشرعية التاريخية ربما نوعان من البشر : أنظمة عربية تعتبر التاريخ جزءا لا يتجزأ من رصيدها للبقاء في السلطة و ثلة من المتعاجزين في مؤسساتنا التقليدية يرفعون أصواتهم بترديد سنوات خبرتهم كلما أثيرت مسألة الكفاءة!
يبدو أمر المجموعة الثانية سهلا كونها حالات فردية لا تملك سوى أن ترثي لحالها أما الأنظمة فلا تريد من يذكرها أن الشرعية التاريخية ليست بعدد السنوات وإنما هي شرعية الإنجاز، و هي في حديثها عن شرعيتها التاريخية تحاول صرف شيكات بدون رصيد ولا مكان لها سوى في المتاحف مع أنها لا تتحف أحدا!
http://shaltoni.maktoobblog.com/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق