الثلاثاء، 3 مارس 2009

فلا خط يباعدنا ولا شحن يفرقنا!

أيام فقط تفصلني عن مرحلة التنافس المفتوح في ساحة اتصالات الموبايل، بعد مرحلة من الاحتكار امتدت نحو خمسة عشر عاما هيمنت فيها شركة كيوتل القطرية على السوق وآن لها بعد ذلك أن تتعود على وجود منافس هو شركة فودافون.

 كيوتل احتفلت في ديسمبر الماضي بوصول عدد مشتركيها إلى مليون ونصف المليون مشترك وعدد سكان الدولة في أفضل التقديرات لا يزيد كثيرا عن مليون ونصف المليون نسمة ما بين مواطن ومقيم.

 بمعنى أنه لم يبق بيت مذر ولا وبر إلا وحصل على نصيبه من القسمة.. فهل ستبيع فودافون الماء في حارة السقائين أم أنها المراهنة على جيوبنا وخدماتهم وعيوننا وإعلاناتهم وأنماطنا الاستهلاكية ودعاياتهم؟!

 في مواجهة هذه الحملة الدعائية المرتقبة أعددت قواعد دفاعية جعلتها في وجه مصممي الإعلانات صخرة عنيدة تتكسر عليها الكثير مآربهم وقد أسميتها مجموعة خمسة زائد واحد وتقوم على مجموعة أركان وخبرات شخصية لضبط السلوك الاستهلاكي!

أولا: التفكير مرتين قبل شراء سلعة تحظى بدعاية وشهرة واسعة بحيث أميل إلى شراء المنتج غير المشهور في محاولة لإقناع نفسي بأنني أفضل الجودة على شحنة الإعلانات التي تراودني عن جيبي..والنتيجة هنا أنني نجحت أحيانا وأخفقت في كثير من الحالات!

ثانيا:في مقابل ذلك  صممت لنفسي معايير خاصة في الجودة ومعها أصبحت أميل إلى شراء المنتجات التي تحمل في ثناياها معلومات ورقية أكثر حتى ولو لم أكترث إلى مضمون الكتابة والنتيجة أنني لاحظت أن شركات الملابس مثلا بدأت تدرك خططي المدمرة على صناعتهم وصرت أجد في السوق بنطالا يحمل كمية من المطويات الكرتونية الصغيرة المطبوعة بعناية والتي تحمل كلاما كثيرا ولكنها لا تقول شيئا وينقصها فقط أن تخبرني كيف ألبس البنطال!

 ثالثا:أصبحت قناعتي بجودة المنتج أكبر إذا ما وجدت معه إشارة للموقع إلالكتروني للشركة المنتجة على الإنترنت ولم تمر هذه دون مطبات حيث يبدو أن الصينيين أدركوا نقطة ضعفي فصاغوا لي على هواي حقائب سفر اشتريت بعضها ولما عدت إلى موقعها على الإنترنت وجدت أنه لا علاقة له بالحقائب ولا بالشركة المصنعة!

 رابعا:في حين أن الظاهر أن قرار الشراء في كثير من الأحيان قرار فردي حر إلا أن الواقع أنه يتأثر بعوامل كثيرة محيطة غير الإعلان فعندما قررت قبل سنوات شراء سيارة وضعت قائمة من المتطلبات من حيث النوع والحجم واللون والسعر ثم اكتشفت أنني اشتريت في نهاية المطاف سيارة لاتمت بصلة لمتطلباتي تحت وطأة معطيات سوق السيارات ونصائح الزملاء.

هل سمعتم بذلك الرجل الذي قصد السوق مع زوجته ليشتري قميصا …طال الجدل بينه وبين زوجته أمام البائع هو يريد اللون الأزرق وهي تريد الأبيض وبعد طول مشاورات زمجز الزوج وأرعد وناور وهدد ثم قال للبائع بحزم..عندي حل وسط ..أعطني الأبيض!!

خامسا:في سوق الموبايلات تحديدا فإنك لا تتخذ قرارك غالبا بنفسك لا من حيث نوع الجهاز ولا من حيث شركات الخدمة وفي المرات النادرة التي اشتريت فيها موبايلا خارج منظومة نوكيا كنت أعاني في المنزل والبيت والسفر من العثور على شاحن و أما شركات الخدمة فغني عن القول إن زملاءك وأصدقاءك وأقاربك سيسرهم أن تجمعك بهم شبكة واحدة تحت ظلالها على طريقة القائل:

فلا خط يباعدنا ولا شحن يفرقنا إذا الموبايل يشبكنا بإخوان وخلان

وهو نفسه القائل:

فتش عن الموبايل وإن ثمن غلا واشبك ففي الموبايل ست فوائد

وصال صديق أو حساب مسائل وماسيج وتصوير وذكرى بموعد

وقد جاء في رواية أخرى..

تصفح نت واحتساب بضائع وماسيج وتصوير ووصل الأباعد!!

وإذا كانت هذه هي القواعد الخمسة في التعامل مع الدعاية فإن العنصر الأهم بعد ذلك أن أكون مستعدا لكل الاحتمالات ولذلك فقد سجلت اسمي مع شركة فودافون لحملة أول ألف مشترك الذين يفترض أن يكونوا قادرين على اقتناء الخط خلال مرحلة الاختبار بأسعار مغرية!!!!

السبت، 15 مارس 2008

ناس شيك ..بدون رصيد!

لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج مارد الجوع من قمقمه في بيتي متمردا على الوجبات البيتية ومعلنا بدأ المداولات بشأن تناول الطعام في الخارج!

ومعه تتبلور بين أفراد العائلة الأربعة أكثر من عشرة أراء بشأن المكان المناسب لوضع الخطة موضعها اللائق من المعدة!

يبدأ برلمان العائلة جلساته المفتوحة ويطرح كل منهم وجهة نظره مستشهدا بمعرفة بأنواع المطاعم أو برغبة في التجديد وإثراء التجربة المعوية!

وندخل بذلك جدلا يحتاج إلى وساطة على غرار تلك التي قام بها عمرو موسى في بيروت لتدوير الزوايا وتجسير المواقف.

وتبدأ أسماء المدن والدول والثقافات في التزاحم في بورصة الطعام حسب المطاعم التي تسمي نفسها بأشهر المدن المتنافسة على الظفر بجوعنا.. اسطنبول.. بيروت...الصيني... الهندي... اليمني...دمشق.. ويغدو حديث الطعام كأنه واجهة لدرس في الجغرافيا!

ثم يمتد النقاش بامتداد الزحام في مدينة الدوحة هذه الأيام التي أضحت بفضله تسمح بالكثير من الجدل على الطريق بين العقل والمعدة!

ومع اشتداد حدة النقاش أتفهم على نحو ما لماذا يصر نبيه بري على إغلاق مقر البرلمان اللبناني أمام جلسات النقاش ولماذا يعود بي الحنين أحيانا إلى أيام صدام حسين!

ورغم أن المنطق والشرعية تعطيني الحق في الترجيح باعتباري الأكبر والسائق والوالد ومصدر التمويل إلا أن رأيي في الغالب لا يعدو كونه واحدا من الأراء المطروحة القابلة للنقاش!

تحليلي الاجتماعي لظاهرة تأكل هذا الدور دفعني إلى اكتشاف ما يمكن أن أصفه اليوم بظاهرة تراجع دور الشرعية التاريخية!

يحدث هذا تحت وطأة ثقافة المساواة وموجة من عولمة الأفكار و المفاهيم و ظاهرة نهاية التاريخ!

فعلى المستوى الدولي فإن الولايات المتحدة التي تتصدر لدور الزعامة في العالم والترويج لثقافتها لايعجبها الحديث عن الخبرة التاريخية بحكم ضحالة تلك التجربة لديها تماما كما لايروق للبغي الحديث عن الشرف ويضطرب اللص مع كل ذكر للأمانة!

مشكلتي أنني لا أجد في شواهد الصحافة ما يسعفني على تعزيز مركزية خبرتي التاريخية فموقع مثل ياهو أكمل لتوه سنوات عشر فقط يرفض عرضا لبيعه لشركة مايكروسوفت بكل عراقتها بمليارات الدولارات.

وطفل نيوزلندي أصبح في عامه الثالث خبيرا في انظمة الويندوز ويستعد اليوم في عامه السابع لبرمجه أنظمة جديدة!

عزائي أنني لست وحدي من يعاني مع ظاهرة تآكل الخبرة التاريخية فقد قرأت أن دراسة أجريت في عدد من دول العالم أثبتت أن متوسطي العمر من جيل الأربعين بدأوا يشعرون بالقلق على مستقبلهم في ظل انتشار ظاهرة محدثي الثراء الإلكتروني وتلبد المستقبل الاقتصادي بكثير من الضبابية!

بل إن عامل السن الذي كان الكثيرون يعولون عليه باعتباره ميزانا للخبرة والحكمة أصبح عبئا عليهم تحت وطأة ظاهرة الأثرياء الجدد وقوائم المليارات التي تطلع علينا كل يوم لتلغي أي حساب للآلاف والملايين التي كانت يوما ركيزة لأحلامنا !

تماما كما يشعر مصلحو الساعات والهواتف الأرضية والنظارات بالقلق على خبراتهم بعد تزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة في التوقيت والموبايل وعمليات تصحيح البصر بالليرز!

وكما في عالم الأفراد فإن عالم الشركات أيضا يستيقظ كل يوم على سوق لا مكان فيها لمن يقف عند حاجز السبق والخبرة التاريخية فقط فشركة بولارويدز الأمريكية توقفت الأسبوع الماضي عن إنتاج أفلام وكاميرات التصوير الفوري التي كانت يوما ما معجزة في عالم التصوير ووكالات الأنباء تحمل كل يوم قصصا عن شركات توقفت عن انتاج أشرطة الكاسيت والتلفزيونات الضخمة لصالح تقنيات جديدة !

الوحيدون الذين لا يزالون يتمسكون بالشرعية التاريخية ربما نوعان من البشر : أنظمة عربية تعتبر التاريخ جزءا لا يتجزأ من رصيدها للبقاء في السلطة و ثلة من المتعاجزين في مؤسساتنا التقليدية يرفعون أصواتهم بترديد سنوات خبرتهم كلما أثيرت مسألة الكفاءة!

يبدو أمر المجموعة الثانية سهلا كونها حالات فردية لا تملك سوى أن ترثي لحالها أما الأنظمة فلا تريد من يذكرها أن الشرعية التاريخية ليست بعدد السنوات وإنما هي شرعية الإنجاز، و هي في حديثها عن شرعيتها التاريخية تحاول صرف شيكات بدون رصيد ولا مكان لها سوى في المتاحف مع أنها لا تتحف أحدا!
http://shaltoni.maktoobblog.com/